بعد ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في غزة، يطرح تقرير نون بوست تساؤلات جوهرية بشأن دور مصر في دعم الفلسطينيين، ومدى استثمار القاهرة نفوذها السياسي والاقتصادي والأمني للضغط على إسرائيل ووقف الحرب. ويتناول التقرير كيفية تطور الموقف المصري منذ الساعات الأولى لعملية «طوفان الأقصى»، مرورًا بالجهود الدبلوماسية التي أفضت إلى اتفاق شرم الشيخ في أكتوبر 2025، وصولًا إلى اختبار قدرة القاهرة على ضمان تنفيذ الاتفاق ووقف الانتهاكات الإسرائيلية.


وفي التقرير الذي نشره موقع «نون بوست» يستعرض الكاتب مسار السياسة المصرية خلال الحرب، متوقفًا عند دوافعها الأمنية وحساباتها الإقليمية، والخيارات التي أحجمت عن استخدامها رغم ما تمتلكه من أوراق ضغط. ويخلص التقرير إلى أن مصر نجحت في ترسيخ موقعها وسيطًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية تتعلق بغزة، لكنها لم تثبت بعد قدرتها على فرض تنفيذ الاتفاق أو تحميل إسرائيل تكلفة انتهاكه.

 


مصر والحرب على غزة.. بين حماية الأمن القومي ودعم القضية الفلسطينية


لا شك أن من خططوا لعملية 7 أكتوبر ونفذوها قبل ثلاث سنوات وضعوا في حساباتهم طبيعة التوازنات الإقليمية وموازين القوى، وعوّلوا بدرجات متفاوتة على الدور الذي يمكن أن تؤديه الدول العربية والإسلامية المجاورة في تقديم الدعم السياسي واللوجستي، خصوصًا إذا دخلت المواجهة مراحل أكثر صعوبة وتعقيدًا. وانطلق هذا التصور من اعتبار المعركة أبعد من كونها مواجهة فلسطينية إسرائيلية، إذ تتداخل فيها أبعاد عربية وإسلامية ومسيحية في مواجهة المشروع الإسرائيلي وتداعياته على المنطقة.


ولأسباب تاريخية وجغرافية وسياسية، اتجهت الأنظار إلى مصر منذ الساعات الأولى لعملية «طوفان الأقصى». فمصر ليست مجرد دولة مجاورة تشترك مع قطاع غزة في الحدود، بل تمثل أحد أبرز الأطراف المؤثرة في القضية الفلسطينية منذ عقود، بفضل ثقلها في العالم العربي والمنطقة. كما ترتبط تداعيات الصراع بها ارتباطًا وثيقًا، وتعد من أكثر الدول تأثرًا بأي محاولة لإعادة تشكيل مناطق النفوذ أو تغيير التوازنات الجيوسياسية على حدودها الشرقية وفي محيطها الإقليمي.


واليوم، وبعد مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، تبددت جوانب كثيرة من الغموض الذي أحاط بالأيام الأولى، وحلّت حسابات المصالح والسياسة ووقائع الميدان محل الشعارات. وأصبح من الضروري إعادة تقييم الدور المصري بصورة متأنية وموضوعية، بما يتيح مناقشة ما فعلته القاهرة وما كان بإمكانها فعله.


ومن خلال مجموعة من الأسئلة الرئيسية، يتناول التقرير الموقف المصري ومراحل تطوره بعيدًا عن الأحكام المسبقة والشعارات، وصولًا إلى السؤال الأكثر حساسية وإثارة للجدل: هل فعلت مصر كل ما تستطيع لدعم الفلسطينيين وحماية قضيتهم خلال هذه الحرب الدامية، أم أنها أحجمت عن استخدام خيارات أخرى كانت متاحة أمامها؟


حددت القاهرة موقفها من الحرب خلال ساعات من عملية 7 أكتوبر وما أعقبها من مواجهة ورد إسرائيلي. ففي بيان صدر صباح السبت 7 أكتوبر 2023، حذرت وزارة الخارجية المصرية من «المخاطر الوخيمة» للتصعيد الجاري بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ودعت إلى أقصى درجات ضبط النفس وتجنب تعريض المدنيين لمزيد من المخاطر. كما طالبت الأطراف الدولية المعنية بجهود استئناف عملية السلام بالتدخل الفوري لوقف التصعيد، ودعت إسرائيل إلى وقف اعتداءاتها وممارساتها الاستفزازية بحق الشعب الفلسطيني، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني والوفاء بمسؤولياتها بوصفها القوة القائمة بالاحتلال.


عكس البيان منذ البداية النهج الذي اختارته القاهرة، إذ بدا أقرب إلى البحث عن أرضية سياسية وسطية منه إلى إعلان انحياز واضح للمقاومة الفلسطينية أو تبني خطاب يستند إلى حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال والدفاع عن أرضهم. وتتبنى مصر نهجًا مشابهًا في عدد من القضايا الإقليمية، بما فيها ملفات تمس مصالحها وأمنها القومي بصورة مباشرة، انطلاقًا من اعتقادها أن الحفاظ على مسافة من أطراف الصراع يمنحها مساحة أوسع للمناورة السياسية ويعزز قدرتها على الوساطة عند اشتداد الأزمات.


وسرعان ما كشفت التطورات اللاحقة عن أبعاد إضافية للموقف المصري. فإلى جانب الأبعاد الفلسطينية والإنسانية والسياسية للحرب، تعاملت القاهرة معها بوصفها قضية تمس الأمن القومي المصري مباشرة. لذلك، احتل منع تهجير سكان غزة أولوية كبيرة، وأصبح رفض نقل الفلسطينيين إلى سيناء أحد أكثر الخطوط الحمراء وضوحًا واستمرارًا في التصريحات الرسمية.


ارتبط رفض التهجير بالتضامن مع الفلسطينيين ومعارضة تصفية قضيتهم، لكنه ارتبط أيضًا بحسابات أمنية واستراتيجية مباشرة، ربما كانت أكثر إلحاحًا من منظور الدولة المصرية. فقد رأت القاهرة أن نقل مئات الآلاف من سكان غزة، وربما أكثر، إلى سيناء قد يبدأ باعتباره «تهجيرًا مؤقتًا»، ثم يتحول بمرور الوقت إلى واقع دائم يصعب التراجع عنه. وترى الدولة المصرية أنها لا تستطيع تحمل التداعيات الديموغرافية والأمنية والسياسية والاقتصادية المترتبة على هذا السيناريو.


وقد كشفت تصريحات رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي خلال مؤتمر صحفي مشترك مع المستشار الألماني أولاف شولتس في 18 أكتوبر 2023، أي بعد 11 يومًا من اندلاع الحرب، عن جانب واضح من حسابات القاهرة المتعلقة بالتهجير. فخلال رفضه نقل الفلسطينيين إلى سيناء، طرح السيسي صحراء النقب داخل إسرائيل بوصفها وجهة افتراضية بديلة لسكان غزة، إذا كان الهدف الإسرائيلي المعلن نقل المدنيين مؤقتًا لحين انتهاء العمليات العسكرية.


لم يكن الإشارة إلى النقب مجرد اقتراح جغرافي، بل عكست جوهر الاعتراض المصري. فالمشكلة بالنسبة إلى القاهرة لا تقتصر على اقتلاع الفلسطينيين من منازلهم، وإنما تشمل أيضًا احتمال استقبال الأراضي المصرية للسكان المهجرين وتحمل تبعات ذلك، بما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأمن القومي المصري.


وهكذا اتضح مبكرًا المسار الذي اختارته مصر للتعامل مع الحرب: حماية حدودها وأمنها القومي، ومنع فرض واقع ديموغرافي وسياسي جديد في سيناء، مع الحفاظ على القضية الفلسطينية والتصدي لمحاولات تصفيتها.


وجاءت المحطة الثالثة والأبرز في أكتوبر 2025، عندما استضافت شرم الشيخ المفاوضات التي أفضت إلى اتفاق إنهاء الحرب في غزة، بوساطة مصر والولايات المتحدة وقطر وتركيا. وبعد أيام، استضافت المدينة «قمة شرم الشيخ للسلام»، التي ترأسها السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب بصورة مشتركة، وشهدت مشاركة دولية واسعة بهدف ترسيخ الاتفاق وتحويل التفاهم بين أطراف الحرب إلى مسار يحظى بدعم سياسي ودولي أوسع.


وساعدت شبكة العلاقات المصرية وقنوات التواصل التي حافظت عليها القاهرة مع مختلف الأطراف طوال سنوات الصراع على الاضطلاع بهذا الدور. فمصر ترتبط بإسرائيل بعلاقات رسمية وتفاهمات أمنية وسياسية ممتدة، كما أبقت قنوات الاتصال المباشر مع حركة حماس مفتوحة رغم الخلافات السياسية والأيديولوجية العميقة بينهما، فضلًا عن علاقاتها الوثيقة بالولايات المتحدة والقوى الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة.


ومنحت هذه العلاقات القاهرة ميزة نسبية لا تتوافر بسهولة لغيرها من الأطراف الإقليمية، إذ أتاحت لها نقل الرسائل واستضافة المفاوضات والمساعدة في صياغة تفاهمات بين أطراف يصعب جمعها مباشرة. لكن امتلاك القدرة على الوساطة يختلف عن القدرة على تحويلها إلى نتائج سياسية مستدامة، وهو ما يتوقف على نتائج هذا الدور وحدوده ومدى نجاحه الفعلي.

 


أوراق الضغط المصرية.. لماذا لم تتحول الدبلوماسية إلى ضغط مباشر على إسرائيل؟


لا يمكن إنكار الدور الدبلوماسي الذي اضطلعت به مصر طوال سنوات الحرب، سواء في خفض التصعيد والوساطة أو في مواجهة خطط تهجير الفلسطينيين خارج غزة، بصرف النظر عن الدوافع والحسابات التي وجهت هذا النهج. لكن الاعتراف بهذا الدور لا يلغي السؤال الأكثر إلحاحًا وإثارة للجدل: هل كانت الدبلوماسية أقصى ما تستطيع القاهرة تقديمه للفلسطينيين الذين واجهوا واحدة من أكثر الحروب دموية وقسوة في تاريخهم الحديث؟ وهل افتقرت الدولة المصرية إلى أدوات أخرى يمكن استخدامها بينما كان شعب يُقتل ويُحاصر ويُجوّع أمام أنظار العالم، على بعد أمتار قليلة من حدودها؟


لم تكن الدبلوماسية الأداة الوحيدة المتاحة أمام القاهرة. فموقع مصر الجغرافي ونفوذها السياسي وطبيعة علاقاتها بإسرائيل تمنحها أوراق ضغط سياسية واقتصادية وأمنية لم تستخدمها بالكامل، بل إنها لم تلوّح بجدية باستخدام بعضها في أحيان كثيرة. وخلال الحرب، رأى منتقدون أن تفعيل جزء من هذه الأوراق كان يمكن أن يرفع تكلفة استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، ويوفر ضغطًا إضافيًا قد يسهم في تسريع إنهاء الحرب وإنقاذ آلاف الأرواح الفلسطينية.


وفي مقدمة أوراق الضغط هذه معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية. فقد دعت حركات ناشطة وقوى سياسية وقطاعات من الرأي العام العربي والإسلامي إلى توظيف المعاهدة للضغط السياسي على إسرائيل، أو على الأقل التلويح بمراجعة بعض جوانب العلاقة المرتبطة بها. كما طُرحت تساؤلات بشأن قناة السويس ومرور السفن المرتبطة بإسرائيل، فضلًا عن التنسيق الأمني والعلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين. ووفقًا لهذا الطرح، تمثل هذه المجالات أدوات تستطيع مصر من خلالها زيادة الضغط على الحكومة الإسرائيلية بدرجات متفاوتة.


وتبدو المفارقة أكثر وضوحًا في المجال الاقتصادي. ففي الوقت الذي تناقلت فيه الصور مشاهد القتل والدمار والجوع في غزة، تصاعدت حملات المقاطعة الاقتصادية العربية والإسلامية باعتبارها وسيلة شعبية لعزل إسرائيل والضغط عليها. لكن مؤشرات التجارة أظهرت استمرار العلاقات الاقتصادية، بل ارتفاع حجم التبادل التجاري بين إسرائيل ومصر وعدد من الدول العربية الأخرى خلال بعض مراحل الحرب.


وكشف ذلك عن أحد أكثر التناقضات إثارة للجدل في الموقف الإقليمي عمومًا، والمصري خصوصًا. فبينما أدانت التصريحات السياسية الرسمية الانتهاكات الإسرائيلية، ورفضت التهجير، وطالبت بوقف الحرب وإدخال المساعدات، استمرت العلاقات الاقتصادية والتجارية بالتزامن مع اتساع العمليات العسكرية وارتفاع أعداد القتلى.


وأجج هذا التناقض شعورًا واسعًا بالخذلان لدى قطاعات من الرأي العام الفلسطيني والعربي، إذ رأى أصحاب هذا الموقف أن استمرار العلاقات الاقتصادية في ذروة الحرب يقوض عمليًا جانبًا من الرسالة السياسية المعلنة، ويضعف محاولات عزل إسرائيل اقتصاديًا وسياسيًا.


كما عرض التباين القاهرة لانتقادات حادة، وألقى بظلاله على تقييم جهودها الدبلوماسية، وعزز انطباعًا بأن تحركاتها تجاه غزة تحكمها، بدرجة كبيرة، أولوية حماية الأمن القومي المصري ومنع امتداد تداعيات الحرب إلى سيناء، أكثر من استعدادها لتحمل تكاليف سياسية واقتصادية مباشرة دفاعًا عن الفلسطينيين.


ويطرح ذلك سؤالًا يصعب تجاهله عند تقييم الموقف المصري: إلى أي مدى يمكن التوفيق بين إعلان دعم الحقوق الفلسطينية والمطالبة بإنهاء الحرب، وبين استمرار العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الطرف نفسه الذي تسعى القاهرة، عبر الدبلوماسية، إلى وقف عملياته العسكرية؟


لم تكن المعضلة الأساسية غياب أوراق الضغط، بقدر ما ارتبطت بحدود استعداد القاهرة لاستخدامها والتكاليف التي قبلت تحملها لتحويل موقفها السياسي المعلن إلى ضغط مادي مباشر على إسرائيل. وهنا تتجلى الفجوة بين دبلوماسية تسعى إلى إدارة الأزمة وسياسة تستخدم أدوات القوة لتغيير مسارها.


ومع تصاعد الحرب إلى مستويات غير مسبوقة، وارتفاع أعداد القتلى والمصابين، واتساع رقعة النزوح الداخلي وانتشار الجوع والدمار، ازدادت المعضلة المصرية تعقيدًا. فقد اقتربت العمليات العسكرية الإسرائيلية من الحدود المصرية ومحور فيلادلفيا، كما طالت حوادث أهدافًا مصرية، سواء بصورة متعمدة أو غير متعمدة. وأمام ذلك، واجهت القاهرة وضعًا متشابكًا لم تعد أدواتها التقليدية كافية للتعامل معه بالوتيرة نفسها.


لم تعد الحرب مجرد أزمة إنسانية وسياسية داخل غزة، بل بدأت تمس الأمن القومي المصري بصورة مباشرة. لذلك، ازدادت الحاجة إلى اتفاق يوقف الحرب أو يفرض هدنة تسمح بخفض التصعيد، واحتواء مخاطر اتساع المواجهة إقليميًا، وتهيئة مساحة للتحركات السياسية اللاحقة.


وفي هذا المناخ، كثفت القاهرة اتصالاتها الدبلوماسية مع واشنطن وإدارة ترامب بحثًا عن سبيل لوقف التصعيد. وفي الوقت نفسه، بلغ الغضب الشعبي العربي مستويات مرتفعة، ولم يعد موجهًا إلى السياسات الإسرائيلية والدعم الأمريكي لها فحسب، بل امتد إلى أداء الحكومات العربية. وكانت مصر في مقدمة الدول التي تركزت عليها الانتقادات بسبب موقعها الجغرافي ونفوذها السياسي ودورها المباشر في ملف غزة.


احتاج كل طرف إلى هدنة لأسباب وحسابات مختلفة. فقد أراد ترامب إنجازًا يستطيع تقديمه باعتباره اختراقًا في واحدة من أبرز الأزمات الدولية وأكثرها تأثيرًا، بما يعزز صورته بوصفه «صانعًا للسلام». وسعت مصر إلى وقف التصعيد على حدودها الشرقية وترسيخ موقعها وسيطًا إقليميًا رئيسيًا ومستضيفًا للمفاوضات. أما الفلسطينيون، فكانوا في أمس الحاجة إلى هدنة توقف القتل والقصف المتواصل، ولو مؤقتًا، وتمنحهم فرصة لالتقاط الأنفاس بعد أشهر طويلة من الحرب والحصار والاستنزاف.


لكن المعضلة الأساسية تمثلت في أن المسار الذي أفضى إلى اتفاق شرم الشيخ انطلق قبل تطوير جميع عناصر الاتفاق بالقدر الكافي لمعالجة جذور الأزمة وضمان إنهاء الحرب بصورة مستدامة. وهكذا، بدأ المسار الذي طُرح بوصفه طريقًا إلى الحل يحمل في داخله بذور أزمة لاحقة، بل تحول، وفق أكثر القراءات تشاؤمًا، من فرصة لإنهاء الحرب إلى فخ سياسي تأجلت عواقبه فحسب.


ولم تتوجه الأطراف إلى شرم الشيخ بالأهداف نفسها، بل جمعتها مصالح متباينة بصورة مؤقتة. فقد أعطت إسرائيل الأولوية لاستعادة الرهائن المتبقين وحسم هذا الملف بأقل قدر ممكن من التنازلات الاستراتيجية. وسعى ترامب إلى تحقيق إنجاز سياسي ودبلوماسي كبير يستطيع تقديمه باعتباره نجاحًا شخصيًا في واحدة من أبرز القضايا المطروحة على الساحة الدولية آنذاك. أما القاهرة، فركزت على احتواء بؤرة التوتر على حدودها الشرقية ومنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة تمس أمنها القومي مباشرة، إلى جانب منح الفلسطينيين فرصة لالتقاط الأنفاس والاستعداد لمناقشة أكثر تعقيدًا بشأن مستقبل غزة بعد الحرب.


لذلك، مثّل اتفاق شرم الشيخ التقاءً مؤقتًا لمصالح متعارضة، لا رؤية مشتركة للمستقبل. وحصل كل طرف على جزء مما أراده، بينما أُرجئت القضايا الأكثر حساسية. وهنا تكمن المعضلة: تحول وقف إطلاق النار من خطوة أولى نحو السلام إلى مجرد استراحة بين جولتين من الصراع، وهو الاختبار الحقيقي الذي واجه الاتفاق منذ البداية، والذي يبدو أن جميع الأطراف أخفقت فيه باستثناء إسرائيل.

 


اتفاق شرم الشيخ.. هل نجحت مصر في ضمان وقف الحرب؟


قبل اتفاق شرم الشيخ، اضطلعت مصر أساسًا بدور «الوسيط» الذي يسعى إلى تقريب وجهات النظر ونقل الرسائل واقتراح المبادرات واستضافة المفاوضات، من دون تحمل مسؤولية مباشرة بالضرورة عن التزام الأطراف بتعهداتها. لكن انخراط القاهرة المباشر في الاتفاق نقلها، نظريًا على الأقل، إلى موقع مختلف؛ فلم تعد مجرد وسيط بين طرفين متحاربين، بل أصبحت أحد الضامنين الرئيسيين للاتفاق وشريكًا أساسيًا في ترسيخه وضمان تنفيذ مراحله والوفاء بالالتزامات المترتبة عليه.


ومع ذلك، يثير العام الأول من الاتفاق تساؤلات جدية بشأن الفجوة بين هذا الدور المفترض والتطورات على الأرض. فقد استمرت الانتهاكات الإسرائيلية بصورة شبه يومية طوال العام، وقُتل أكثر من 1400 فلسطيني بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، بينما ظل أكثر من 1.2 مليون شخص يواجهون مستويات حادة من الجوع. وفي الوقت نفسه، واصلت إسرائيل توسيع عملياتها العسكرية داخل القطاع، وفرضت سيطرة فعلية على مساحات واسعة تجاوزت ثلثي أراضي غزة.


وتكمن المفارقة في أن هذه التطورات لم تقع في غياب اتفاق سياسي أو ضامنين له. فقد ظل الاتفاق قائمًا، وحضر الضامنون، وأُعلنت التزامات الأطراف بوضوح. ولذلك، يتجاوز السؤال مجرد توثيق الانتهاكات الإسرائيلية إلى تقييم قدرة الضامنين أنفسهم على فرض الالتزام بالاتفاق، وفي مقدمتهم مصر، بحكم موقعها الجغرافي ودورها المحوري في المفاوضات.


ورغم الانتهاكات المتواصلة، ظلت التحركات المصرية محصورة إلى حد كبير في الأدوات الدبلوماسية التقليدية، مثل بيانات الإدانة والتحذير والاتصالات السياسية والتحرك في المحافل الأممية والإقليمية. كما عقدت القاهرة اجتماعات مكثفة مع قادة الفصائل الفلسطينية، ولا سيما حركة حماس، التي أبدت مرونة كبيرة خلال المفاوضات، ووصلت في بعض الملفات إلى تقديم تنازلات مؤلمة على أمل التوصل إلى نهاية دائمة للحرب ووقف معاناة سكان غزة.


وبحسب هذه القراءة، لم تقابل إسرائيل تلك المرونة بمرونة مماثلة، ولم تصعّد القاهرة الضغط عبر توظيف نفوذها السياسي والاقتصادي وعلاقاتها المباشرة بإسرائيل لرفع تكلفة استمرار الانتهاكات أو الدفع نحو تنفيذ الالتزامات المتبقية في الاتفاق.


وهكذا، عادت المعضلة نفسها التي رافقت الدور المصري منذ بداية الحرب، ولكن بصورة أكثر حدة: إذا كان من الممكن تفهم حدود الأدوات المتاحة للوسيط، فإلى أي مدى يمكن تبرير القيود المفروضة على أدوات الضامن؟


فالقيمة السياسية للضمان لا تنبع من توقيع الاتفاق أو استضافة المفاوضات فحسب، بل من القدرة والاستعداد للدفاع عنه عند انتهاكه. وإذا ظل الرد على الخروقات مقتصرًا على البيانات والاجتماعات والاتصالات، من دون ممارسة ضغوط أكثر فاعلية، أصبح الفارق بين «الوسيط» و«الضامن» أقرب إلى اختلاف في التسمية منه إلى اختلاف في الممارسة.


وبعد عام على الاتفاق، سبقته حرب اتسمت بالإبادة واستمرت عامين، ظلت الأوضاع الميدانية بعيدة عن الأهداف التي كان يفترض أن يحققها مسار شرم الشيخ. فقد استمرت الانتهاكات والأزمة الإنسانية الخانقة، والتوسع الإسرائيلي داخل القطاع وخارجه، بما يقرب غزة من خطر ابتلاع معظم أراضيها، إلى جانب تعطيل تنفيذ الالتزامات السياسية وممارسة الضغوط الإسرائيلية المتواصلة. ولم يتحقق اختراق حقيقي يعيد الاتفاق إلى مساره أو يحول ضماناته إلى أداة فعلية لفرض التنفيذ.


وعند تقييم السنوات الثلاث، يمكن تقسيم تعامل مصر مع الحرب إلى ثلاث مراحل رئيسية، لكل منها حساباتها وأدواتها واختباراتها. تمثلت المرحلة الأولى في احتواء تداعيات الحرب خلال عامها الأول، إذ ركزت القاهرة على منع امتداد المواجهة إلى أراضيها والتصدي لخطط تهجير الفلسطينيين إلى سيناء. وبالتوازي، سعت إلى خفض التصعيد والتوصل إلى هدن مؤقتة وصفقات لتبادل الأسرى والمحتجزين بين الطرفين، واضطلعت بدور الوسيط الذي يسعى إلى احتواء تداعيات الحرب ومنع تحولها إلى أزمة إقليمية أوسع تمس الأمن القومي المصري مباشرة.


أما المرحلة الثانية، فتمثلت في محاولة صياغة تسوية خلال العام الثاني، عندما تعمق انخراط القاهرة في الترتيبات الرامية إلى إنهاء الحرب، وشاركت في مفاوضات الهدنة ومناقشة سيناريوهات «اليوم التالي» وإعادة إعمار غزة. وبلغت هذه الجهود ذروتها في اتفاق شرم الشيخ في أكتوبر 2025، الذي مثّل ذروة الدور الدبلوماسي المصري ومحاولة للانتقال من إدارة الأزمة إلى المساهمة في صياغة مخرج سياسي لها.


وجاءت المرحلة الثالثة، وربما كانت الأصعب، مع اختبار دور مصر ضامنًا للاتفاق خلال العام الثالث، وهو العام الأول بعد وقف إطلاق النار. فلم يعد الاختبار متعلقًا بقدرة القاهرة على جمع الأطراف إلى طاولة المفاوضات أو التوصل إلى اتفاق، بل بقدرتها على حماية الاتفاق وضمان تنفيذ التزاماته عندما بدأ أحد الأطراف انتهاكه.


وتعثرت القاهرة بوضوح في هذا الاختبار. فعلى الرغم من نجاحاتها الدبلوماسية واستمرار قدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف، ظل تأثيرها على الأرض محدودًا في ظل تواصل الانتهاكات الإسرائيلية وتعطيل تنفيذ عدد من بنود الاتفاق. وبعد ثلاث سنوات من الحرب، أثبتت مصر أنها وسيط لا يمكن تجاوزه في أي تسوية تتعلق بغزة، لكنها لم تثبت بعد أنها ضامن يمتلك الأدوات الكافية لفرض تنفيذ الاتفاق عند انتهاكه.


ويُحسب للقاهرة أنها أحبطت سيناريو تصفية القضية الفلسطينية عبر تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وحافظت على رفضها نقل سكان غزة رغم الضغوط السياسية. كما أسهمت في خفض حدة الحرب مقارنة بالفترة التي سبقت أكتوبر 2025، وإن لم تنجح في إنهائها أو وقف الانتهاكات بصورة كاملة.


لكن سياسة الموازنة بين الأطراف وتجنب استعداء أي منها حالت، حتى الآن، دون تحويل النفوذ السياسي المصري ودور القاهرة ضامنًا إلى قدرة فعلية على فرض رؤيتها أو إلزام إسرائيل بتنفيذ تعهداتها. ولا تزال الفجوة واضحة بين حجم الدور الدبلوماسي المصري ونتائجه على الأرض، خصوصًا في ظل أوراق الضغط التي تمتلكها القاهرة وتحجم عن استخدامها.


ولم ينته الاختبار بعد. إذ تمنح الجهود المصرية المتواصلة لإعادة إسرائيل إلى الالتزام الكامل بالاتفاق القاهرة فرصة جديدة لإعادة تعريف دورها، والانتقال من وسيط لا غنى عنه إلى طرف قادر على التأثير في مجريات الأحداث وفرض تكلفة على تعطيل التسوية.


وسيتوقف الحكم النهائي على نجاح هذا التحول على مؤشرات واضحة على الأرض تحدد موقع مصر في المرحلة المقبلة. فهل تستطيع القاهرة الضغط لإنهاء الانتهاكات الإسرائيلية اليومية؟ وهل يمكنها إلزام إسرائيل بالانسحاب من المناطق التي استولت عليها داخل القطاع؟ وهل تستطيع تحويل الوعود والخطط المتعلقة بإعادة الإعمار إلى خطوات عملية، مع ضمان بقاء الفلسطينيين على أرضهم ومنع تهجيرهم؟


في المحصلة، تكشف تجربة السنوات الثلاث عن مفارقة أساسية في السياسة المصرية تجاه غزة: نجحت القاهرة في منع التهجير إلى سيناء، وحافظت على موقعها المحوري في المسار الدبلوماسي، لكنها لم توظف كامل نفوذها لتحويل الاتفاقات إلى التزامات قابلة للتنفيذ. وبين حماية الأمن القومي المصري ودعم الحقوق الفلسطينية، يظل التحدي الأكبر أمام القاهرة هو تجاوز إدارة الأزمة إلى التأثير الفعلي في مسارها، بحيث لا تقتصر الضمانات على التوقيع والتصريحات، بل تصبح وسيلة لوقف الانتهاكات وحماية الفلسطينيين وصون حقهم في البقاء على أرضهم.

 

https://www.noonpost.com/en/385726/amp/